ليست كل الأمهات اللاتي يبتسمن بخير، وليست كل أم تبدو منشغلة بعيدة عن أطفالها بإرادتها.
ففي بعض مراحل الحياة، قد تجد الأم نفسها غارقة في مشاعر من الحزن أو الاكتئاب تجعل أبسط المهام اليومية تبدو شاقة، حتى تلك المرتبطة بأكثر الأشخاص حبًا لقلبها: أطفالها.
في تلك الفترات، يركض الطفل نحو أمه حاملًا لعبة جديدة أو قصة قصيرة أو دعوة للعب، بينما تشعر هي وكأن بينها وبينه مسافات طويلة لا تستطيع عبورها.
تراه، تسمعه، وتحبه بعمق، لكنها لا تملك الطاقة الكافية لتشاركه اللحظة، الأصعب من الحزن نفسه هو الشعور بالذنب.
فالأم التي اعتادت أن تكون مصدر الدفء والمرح تبدأ في محاسبة نفسها على كل لحظة صمت، وكل لعبة لم تشارك فيها، وكل سؤال لم تجب عنه بالحماس المعتاد، وتظن أحيانًا أن أبناءها يستحقون أمًا أفضل منها.
لكن المتخصصين في الصحة النفسية يؤكدون أن هذه المشاعر شائعة لدى الأشخاص الذين يمرون بالاكتئاب.
فقد أوضحت الطبيبة النفسية Kay Redfield Jamison أن الاكتئاب لا يتمثل في الحزن فقط، بل في فقدان الطاقة والقدرة على التفاعل مع الحياة كما اعتاد الإنسان من قبل.
كما تشير أبحاث الطبيب النفسي الشهير Aaron Beck إلى أن المصابين بالاكتئاب يميلون إلى تضخيم مشاعر اللوم الذاتي والنظر إلى أنفسهم بقدر كبير من القسوة، حتى عندما لا تكون تلك الأحكام منصفة أو واقعية.
لعل أقرب وصف لهذه التجربة هو أن الأم تشعر وكأنها داخل بطن حوت ضخم؛ مكان مظلم ومعزول، ترى الحياة تدور خارجها لكنها لا تستطيع الوصول إليها بسهولة. وهي صورة رمزية مؤثرة تجسدها قصة “الحوت” التي ارتبطت في ثقافتنا بمعاني الضيق ثم الخروج إلى النور.
ومن هنا تبرز أهمية القصص التي تساعد الأطفال على فهم المشاعر الإنسانية المعقدة.
يقدم كتاب “ماما هل ابتلعك الحوت؟” من إصدارات دار ورقة معالجة لطيفة وعميقة لهذا الموضوع، إذ يمنح الطفل نافذة ليرى ما قد لا يستطيع رؤيته: أن الأم قد تكون متعبة أو حزينة، لكنها ما زالت تحبه بكل قلبها.
فالطفل يفسر العالم من خلال سلوك من حوله، وعندما تتغير الأم فجأة، قد يظن أنه السبب؛ لذلك يؤكد طبيب الأطفال والمحلل النفسي Donald Winnicott أن الطفل لا يحتاج إلى أم مثالية، بل إلى “أم جيدة بما يكفي”، أم حقيقية بمشاعرها الإنسانية ونقاط ضعفها وقدرتها على التعافي.
هذا الفهم يحرر الأمهات من عبء الكمال المستحيل، ويمنح الأطفال فرصة لتعلم التعاطف والرحمة تجاه الآخرين.
إن الأم التي تبدو وكأن الحوت قد ابتلعها ليست أمًا أقل حبًا، بل إنسانة تمر بمرحلة صعبة، وربما تكون أعظم رسالة يمكن أن يحملها هذا الكتاب للأطفال هي أن الحب لا يختفي عندما يحضر الحزن، بل يبقى موجودًا حتى في أكثر اللحظات ظلمة.
وفي النهاية، كما خرج نبي الله يونس من بطن الحوت إلى النور، تمر هذه الفترات أيضًا.
تستعيد الأم قوتها تدريجيًا، وتعود ضحكاتها وأوقاتها مع أطفالها.
أما ما يبقى في قلوب الصغار فهو درس ثمين: أحيانًا يحتاج من نحبهم إلى أن نفهم مشاعرهم، لا أن نحكم عليها.
كتاب ماما هل ابتلعك الحوت؟ من هنا
https://dar-waraqa.com/ar/mQBAPBj?from=search-bar